الشيخ محمد الصادقي
94
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
النصر وإنتاجه ، فليست بداية النصر هي نهاية المعركة ، وانما دوامه الذي يكلف من الثبات أكثر وأكثر ، فلذلك يتأخر اثبات الأقدام على النصر : يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ! . هذه نصرة المؤمنين وهدايتهم ، فكيف إذا تعسة الكافرين وضلالتهم ، وكل إنسان يعمل على شاكلته : وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ : فَتَعْساً لَهُمْ سقوطا على وجوهم يمشون ، دون قيام وانتعاش : أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 67 : 22 ) مثالان لمشية الكافرين والمؤمنين في الحياة ، فمشية الكافر تعسا مكبا على وجهه انما هي في ضلال ، وإن كانت بكل دلال وجلال . ثم وليس التعس هنا دعاء من اللّه وإنما إخبار أن اللّه أضل اعمالهم بما أضلها تعسهم « 1 » ، فسيرة المكب على وجهه في مشيته ليست إلا مصيرة الضلالة ، فتعسهم هو السبب لضلال أعمالهم مهما كان اللّه هو المحقق لضلالهم : تركا لهم في عيّهم يعمهون ، أو دفعا لهم في غيهم يمرحون جزاء بما كانوا يعملون ، « فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ » فهم وأعمالهم إلى ضياع وفناء ، واللّه منهم براء : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ : أحبط اللّه اعمالهم بما انحبطت بكراهتهم ما أنزل اللّه ، فالضلال هناك هو الحبط هنا ، مسببا عن تعسهم بما فيه كراهة ما أنزل اللّه ! أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها . استفهام تنديد وتبكيت بمن لا يسير في الأرض ، في تاريخ الأرض بمن عليها جغرافيا ، وفي جغرافيا الأرض تاريخيا ، سيرا بدنيا ونظريا ، ليأخذ عبرا عبر
--> ( 1 ) . ضمير الغائب في أضل يتحمل الرجوع إلى تعسهم كما يرجع إلى اللّه .